الشنقيطي
254
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
نَفْساً إِذا جاءَ أَجَلُها [ المنافقون : 11 ] فإنها رأس ثلاث وستين سورة ، وعقبها « بالتغابن » ليظهر التغابن في فقده . وقال المرسي : جمع القرآن علوم الأولين والآخرين ، بحيث لم يحط بها علما حقيقة إلا المتكلم به ، ثم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، خلا ما استأثر اللّه به سبحانه ، ثم ورث عنه معظم ذلك سادات الصحابة وأعلامهم ؛ مثل الخلفاء الأربعة ، ومثل ابن مسعود ، وابن عباس حتى قال : لو ضاع لي عقال بعير لوجدته في كتاب اللّه . ثم ورث عنهم التابعون لهم بإحسان ، ثم تقاصرت الهمم ، وفترت العزائم ، وتضاءل أهل العلم ، وضعفوا عن حمل ما حمله الصحابة والتابعون من علومه وسائر فنونه ؛ فنوعوا علومه ، وقامت كل طائفة بفن من فنونه . فاعتنى قوم بضبط لغاته ، وتحرير كلماته ، ومعرفة مخارج حروفه وعددها ، وعد كلماته وآياته ، وسوره وأجزائه ، وأنصافه وأرباعه ، وعدد سجداته ، إلى غير ذلك من حصر الكلمات المتشابهة ، والآيات المتماثلة ؛ من غير تعرض لمعانيه ، ولا تدبر لما أودع فيه ؛ فسموا القراء . واعتنى النحاة بالمعرب منه والمبنى من الأسماء والأفعال ، والحروف العاملة وغيرها . وأوسعوا الكلام في الأسماء وتوابعها ، وضروب الأفعال ، واللازم والمتعدي ، ورسوم خط الكلمات ، وجميع ما يتعلق به ؛ حتى إن بعضهم أعرب مشكله . وبعضهم أعربه كلمة كلمة . واعتنى المفسرون بألفاظه ، فوجدوا منه لفظا يدل على معنى واحد ، ولفظا يدل على معنيين ، ولفظا يدل على أكثر ؛ فأجروا الأول على حكمه ، وأوضحوا الخفي منه ، وخاضوا إلى ترجيح أحد محتمالات ذي المعنيين أو المعاني ، وأعمل كل منهم فكره ، وقال بما اقتضاه نظره . واعتنى الأصوليون بما فيه من الأدلة العقلية ، والشواهد الأصلية والنظرية ؛ مثل قوله : لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا [ الأنبياء : 22 ] ، إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة ؛ فاستنبطوا منه أدلة على وحدانية اللّه ووجوده ، وبقائه وقدمه ، وقدرته وعلمه ، وتنزيهه عما لا يليق به ؛ وسموا هذا العلم ب « أصول الدين » . وتأملت طائفة معاني خطابه ؛ فرأت منها ما يقتضي العموم ، ومنها ما يقتضي الخصوص ، إلى غير ذلك ؛ فاستنبطوا منه أحكام اللغة من الحقيقة والمجاز ، وتكلموا في التخصيص والإضمار ، والنص والظاهر ، والمجمل والمحكم والمتشابه ، والأمر والنهي والنسخ ، إلى غير ذلك من أنواع الأقيسة ، واستصحاب الحال والاستقراء ؛ وسموا هذا الفن « أصول الفقه » .